جديد بوابة التدوين :

القائمة الرئيسية

إستفتاء

ما رأيك بموقعنا ؟

[ 239 ]    ( 39% )


[ 173 ]    ( 28% )


[ 208 ]    ( 34% )

إجمالي الأصوت: 620

احصائيات عامة

المقالات 1,143
الصور 25
الفنانين 37
الأغاني 323
المرئيات 413
البرامج 4
المواقع 0

المجموع 1,945

إختر شكل الموقع

default-red default-purple
default-green multimedia
silver video
news_plus audio
default

(الدرس الخامس عشر)
النسخة الكاملة - - الخميس 31 / 08 / 2006 - 12:27 صباحاً
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نستكمل الدرس بعون الله تعالى


  بسم الله الرحمن الرحيم

(الدرس الخامس عشر)

العلامة الدالة على استقرار الحمل:

فلما استقر في قلب زكريا عليه السلام أن الله تبارك وتعالي أجابه وأنه سيعطيه غلاما زكيا ، أراد من الله سبحانه وتعالي أن يجعل آية تدله على استقرار الحمل في أوائل مراحله ذلك أن أمرات الحمل لا تظهر على المرأةإلا بعد شهرين أو ثلاثة فأراد زكريا عليه السلام أن يرى آية تدل على استقرار الحمل وثبوته في بطن امرأته ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيّ ﴾ [مريم:10]

الآية والعلامة التي تستدل بها على استقرار الحمل وثبوته في بطن امرأتك هي أن يحبس لسانك عن الكلام مع الناس حالة كون لسانك سويا أي سليما لم تصبه آفة ولم تصبه علة ولا مرض ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيّ ﴾[مريم: من الآية10] أي حالة كونك سويا سليم الأعضاء ولسانك سليم إلا أن الله سبحانه وتعالي يحبس لسانك عن كلام الناس ، أما إذا أردت أن تذكر الله وتسبح وتحمد فلسانك ينطلق بذكر الله ، ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ] أي أشار إليهم ، اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا على هذه النعمة التي أنعم الله بها علي وعليكم 0

انتبه لهذه النقلة وما حبس بين الآيات ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ] سكت الله تبارك وتعالي عن مدة الحمل وعن ساعة الوضع وعن مدة الرضاع وعن سنين الصبا ليحيى حتى شب في صباه ونطق وتعالم الكلام سكت الله تبارك وتعالي عن ذلك كله لأنه كما ذكرنا مرارا القرآن ليس كتاب وقائع وأحداث يسرد الأحداث سردا إنما القرآن يركز في الأحداث على ما فيه الفائدة والعبرة والعظة ، ولذلك هنا ما إن بشر زكريا عليه السلام بيحيى حتى انتقل الكلام من البشارة إلي النداء على يحيى مباشرة ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ﴾0

الحث على الاستمساك بالكتاب:

﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ﴾ما أحوجنا نحن المسلمين إلي هذه الوصية أن نستمسك بكتاب ربنا ,أن نعض عليها بالنواجذ ، وأن نقبل عليه نتلوه أناء الليل وأطراف النهار تلاوة تدبر وفهم تدعونا بعد ذلك وتدفعنا إلي العمل بكل ما جاء في هذا القرآن من أوامر ونواهي فهذا هو حق التلاوة الذي شهد الله لأهلها بالإيمان في قوله ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ ﴾[البقرة: من الآية121]

فضائل يحيى عليه السلام:

﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ ً ﴾ والحكمة والفهم وقوة الإدراك وشدة الذكاء ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّ ﴾ أي في صباه وفي صغره منّ الله تعالي على يحيى عليه السلام بقوة الذاكرة وسرعة الفهم والقدرة على الإستنباط استنباط الأحكام والحكم بها ، ولذلك قال معمر قيل ليحيى عليه السلام وهو في صغره صبيا هيا بنا نلعب فقال للصبيان ما للعب خلقنا وهذه من الحكمة التي أعطاه الله تبارك وتعالي يحيى عليه السلام ، ﴿وَحَنَان ﴾ أي وأعطيناه حنانا من لدنا وحنانا وعطفا وشفقة ورحمة, وهذه هي صفات الداعية الناجح 0

﴿وَحَنَاناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً] أي زكيناه تزكيا وطهرناه طهارة من دنس الذنوب والمعاصي والخطايا فكان عليه الصلاة والسلام معصوما من الذنوب والمعاصي شأنه في ذلك شأن الأنبياء أجمعين .

﴿وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ] جعل الله تعالي يحيى عليه السلام برا بوالديه ولم يكن جبارا بالناس وإنما كان برا بوالديه وبرا بالناس ولم يكن عصيا لله تبارك وتعالي وإنما كان تقيا ، يأتمر لأوامر الله عز وجل وينتهي عن نواهيه .

﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ]الله تبارك وتعالي يسلم على يحيى بن زكريا عليه السلام ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّ ﴾ قال سفيان بن عيينة رحمه الله ما من أيام أوحش على الإنسان من هذه الأيام الثلاث ، أوحش الأيام التي تمر على الإنسان هذه الأيام الثلاثة ، يوم ميلاده ، ويوم موته ، ويوم بعثه من القبور 0

المناسبة بين ميلاد يحيى وعيسى عليهما الصلاة والسلام:

فخلق الله تبارك وتعالي ليحيى من زكريا الشيخ الكبير ومن امرأته العاقر العقيم لا شك أن في هذا عجب ولكن أعجب من ذلك القصة الثانية وهي قصة ميلاد عيسى بن مريم عليه السلام أن يخلق الله تبارك وتعالي من امرأة خلقا دون أن يمسها رجل بحلال أو حرام هذا هو أعجب من القصة السابقة ، ولذلك ترى الله عز وجل كثيرا ما يجمع في القرآن الكريم بين القصتين بين قصة ميلاد يحيى بن زكريا وعيسى بن مريم عليهم الصلاة والسلام ، جمع الله تبارك وتعالي بينهما في آل عمران ، وجمع بينهما هنا في مريم ، وجمع بينهما أيضا في الأنبياء ، ذلك أن في القصتين دلالة على عجيب قدرة الله تبارك وتعالي .

فضائل مريم رضي الله عنها :

﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ ﴾ واذكر يا نبينا في الكتاب والمراد به القرآن الكريم والذكر الحكيم ، واذكر يا نبينا لقومك من آمن منهم ومن لم يؤمن واذكر لهم في الكتاب الذي أنزلناه عليك مريم ، وفي هذا الذكر لمريم عليها السلام مما يدل على فضلها وعظيم شرفها أن يذكر إنسان في الذكر الحكيم ، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم خير نساء العالمين مريم ابنة عمران ، ويقول النبي عليه الصلاة والسلام [ كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم ابنة عمران وآسيا امرأة فرعون وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ] .

ومريم هي مريم بنت عمران من سلالة داود بن سليمان عليهما السلام ، وزكريا عليه السلام هو زوج أختها فيحيى وعيسى ابنا خالة ، فمريم ابنة عمران وضعت في بيت المقدس تحت رعاية الأنبياء وعباد الله الصالحين منذ ولادتها ، وكفلها الله تبارك وتعالي زكريا فكان كفيلها وكان راعيها ومربيها ومعلمها ومؤدبها فنشأت نشأة إيمانية محضة وعاشت في رحاب بيت المقدس بين العابدين الحامدين الذاكرين لله تبارك وتعالي 0

ما هي الحاجة التي دفعت مريم للخروج من بيت المقدس ؟

لا يعنينا كثيرا تعين هذه الحاجة التي ألجأت مريم للخروج من بيت المقدس ، والخوض فيها رجم بالغيب ، لا ينبغي عليه عمل ونحن نركز دائما على أن الله تبارك وتعالي في القصص يسكت عما لا فائدة من تعينه من الزمان والمكان والحوائج ،

فلما بلغت سنا معينا كانت بها حاجة أخرجتها من بيت المقدس ﴿ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّ] في هذه الآية عين الله تبارك وتعالي لنا الجهة التي خرجت إليها مريم والمسافة التي انتهت إليها . عين لنا الجهة بأنها مكانا شرقيا ، شرقية بيت المقدس ، وحدد لنا المسافة التي خرجت إليها مريم من بيت المقدس وهي [ فانتبذت ] والمراد أنها خرجت من بيت المقدس مسافة رمي بحجر فالنبذ معناه الرمي والطرح [ فنبذوه وراء ظهورهم ] فالنبذ معناه الرمي والطرح .

ومع كونها بعدت عن الناس وغابت عن أنظارهم إلا أنها لحشمتها ووقارتها وعفتها وصيانتها عليها السلام احتاطت بقدر ما يمكنها من الاحتياط ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَاب ﴾[مريم: من الآية17] أي من دونهم حجابا بينها وبين الناس واختبأت ورائه حتى لا يراها أحد .

اقتحام جبريل عليه السلام عليها خلوتها:

﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّ ﴾ [مريم:17]

لم يروعها وهي في خلوتها وراء حجابها إلا ورجل إنسان سوي بشر جميل الصورة حسن المنظر بين يديها في خلوتها وليس عندها أحد .

، سمى الله تبارك وتعالي جبريل روحا في أكثر من آية لماذا ؟ لأن جبريل كان حامل الوحي ، والوحي سماه الله تعالي روحا ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا ﴾[ الشورى: من الآية52] فسمي الحامل باسم ما يحمل ، ومعلوم أن للملائكة القدرة على تشكل بأشكال مختلفة متباينة فتشكل جبريل في صورة بشر واقتحم على مريم خلوتها .

لماذا تمثل لها بشرا سويا ولم يظهر لها على أصل خلقته الملائكية ؟

المقصود من ذلك الله تعالي أعلم ، ألا تنزعج انزعاجا وألا تفزع فزعا ، فأراد الله تبارك وتعالي أن يهدئ من روعتها وأن يطمئن قلبها فأمر جبريل أن يتمثل لها بشرا حتى يكون الخوف قليلا والقلق قليلا ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّ ﴾[مريم: من الآية17] فلما رأت نفسها بين يدي إنسان في خلوة وليس عندها أحد لم تجد ملجأ تلجأ إليه إلا الله سبحانه وتعالي فلجأت إلي الله واعتصمت بالله واستجارت بالله ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ ﴾ [مريم:18] أعوذ بالله ألجأ إلى الله ألتصق بجناب الله سبحانه وتعالي ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ ﴾[مريم: من الآية18] لأنه لا ملجأ ولا منجى إلا إلي الله سبحانه وتعالي في كل أمر ، وفي الشدائد والخطوب لا يلجأ إلا إلي الله سبحانه وتعالي فلجأت إلي الله لينجيها ويخلصها من هذا الإنسان الذي اقتحم عليها خلوتها ماذا يريد هذا الرجل من هذه المرأة الخلوة إلا ما يريد الرجل من المرأة ، فاستعاذت بالله عز وجل ولجأت إليه وفرت إليه ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ] ثم ذكّرته بالله عز وجل وتقواه قائلة ﴿إِنْ كُنْتَ تَقِيّ] وانتبه جملة ﴿ إِنْ كُنْتَ تَقِيّ] جملة شرطية جواب الشرط محذوف بعدها وليس هذا الشرط متعلقا بالاستعاذة ﴿ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ] هذه جملة تامة انتهت ، وأما قولها ﴿إِنْ كُنْتَ تَقِيّ] فليس شرطا للاستعاذة لا وإنما هي تقول له ﴿إِنْ كُنْتَ تَقِيّ] فارجع عما جئت له ولا تمسني بسوء فعلمت عليها السلام أن التقي ذو نُهية ، علمت أن الإنسان التقي إذا ذكر بالله تبارك تذكر وخاف من الله عز وجل وأقلع عما هم عليه أو به من المعاصي كما قال الله تعالي ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴾ [لأعراف:201]

التقوى تحول بين الإنسان وبين الحرام:

فالتقوى تحول بين الإنسان وبين الوقوع في الحرام ، علمت ذلك مريم فذكرت من أمامها وهي لا تعرفه بتقوى الله عز وجل ﴿ إِنْ كُنْتَ تَقِيّ ﴾[مريم: من الآية18] جملة شرطية جوابها محذوف تقديره فارجع عما جئت إليه ولا تمسني بسوء . فكشف لها عن هويته ، وأعلمها بحقيقته ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ ﴾[مريم: من الآية19] وبهذه الجملة اطمئنت بعض الشيء ولكنها لم تكد تطمئن حتى عاد القلق يساورها بالجملة الأخيرة حين سمعته يقول ﴿أَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّ ﴾ ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّ ﴾

انتبه لقوله ﴿أَهَبَ لَكِ ﴾[ من الذي يهب الأولاد للناس ؟ الله سبحانه وتعالي هو الوهاب فالوهاب هو الله سبحانه وتعالي ولكن كيف يقول جبريل ﴿ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّ] قال لأكون سببا في هبة الله لك غلاما زكيا ، ولذلك هناك قراءة ثانية " قال إنما أنا رسول ربك ليهب لك غلاما زكيا " قالت متعجبة منكرة ما تسمع ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ّ ﴾ [مريم:20] بحلال ولا حرام ، ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيّ ﴾ هذا تخصيص بعد تعميم والبغي هي الفاجرة العاهرة الزانية

حكمة خلق الله عيسى بن مريم دون أب:

﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ﴾ والحكمة من خلق الولد منك دون أن يمسكِ رجل والحكمة في ذلك ﴿وَلِنَجْعَلَهُ] أي هذا الولد الذي تلدينه ﴿ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ ﴾ آية للناس تدلهم على كمال قدرة الله -سبحانه وتعالي- وعجيب صنعته -عز وجل -، ولنجعل هذا الغلام الذي تلدينه آية للناس يستدلون بها على كمال قدرة الله تبارك وتعالي وعجيب صنعته ، فإن الله تبارك وتعالي خلق آدم أول ما خلقه من تراب من غير ذكر ولا أنثي ثم خلق الله تبارك وتعالي حواء من آدم فخلق من ذكر بلا أنثى ثم خلق الله تبارك وتعالي من آدم وحواء الذرية المعهودة فخلق من ذكر وأنثى فهذه ثلاث دوائر خلق من غير ذكر وأنثى ، وخلق من ذكر بلا أنثى ، وخلق من الذكر والأنثى فأراد الله أن تكتمل الدائرة الرباعية التي تدل على كمال قدرة الله وعظيم صنعته فخلق من الأنثى بلا ذكر وهو عيسى عليه السلام ، فهذا معنى قوله تعالي﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ ﴾[مريم: من الآية21]

﴿ وَرَحْمَةً مِنَّ ﴾[مريم: من الآية21] أي ولنجعل هذا الولد الذي تلدينه رحمة منا ، رحمة من الله بالمولود ورحمة من الله بالوالدة ورحمة من الله بالناس أجمعين ، أما رحمة الله تبارك وتعالي بالمولود فهو أن الله سبحانه وتعالي اصطفى عيسى واجتباه وجعله رسولا بنيا من أولي العزم من الرسل وهذه رحمة من الله سبحانه وتعالي ، ، ورحمة الله بأم عيسى بمريم عليها السلام أنه لا شك في هذه الولادة كانت سببا لذكرى بالذكر الحسن والثناء الجميل ، وأما رحمة الله للناس بعيسى فكونه جعله رسولا يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ولا شك أن هذا من رحمة الله تعالي بالناس أن يبعث إليهم ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ﴾[النساء: من الآية165] .

وكان أمرا ، كان هذا الحمل وهذه الولادة أمرا مقضيا لأن الله تبارك وتعالي قضاه والله تعالي إذا قضى شيئا فلا راد لقضائه ولا معقب لحكمه ولا غالب لأمره ﴿ وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّ ﴾[مريم: من الآية21]

﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّ ﴿فَأَجَاءَهَا '>#64830;﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ ﴾ بشرت بالولد بعد البشارة حملته فانتبذت به فأجاءها المخاض ذهب بعض المفسرين إلي أن ولادة عيسى عليه السلام لم تكن كشأن ولادة سائر النساء لم يكن الحمل تسعة أشهر ولم تكن ولادة طبيعية ولكن ما إن بشرت حتى نفخ جبريل في درعها فذهبت النفخة إلي محل الولادة فكانت سببا للحمل فحملته فانتبذت فأجائها المخاض ، فقالوا لم يكن الحمل كحمل النساء تسعة اشهر مستدلين بأن الفاء العاطفة تفيد التعقيب في الترتيب بلا فاصل زمني والراجح أن الفاء هنا وفي بعض المواضع لا تفيد التعقيب في الترتيب فقد سبق معنا في سورة الكهف قول ربنا عز وجل ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ﴾ [الكهف:45] ومعلوم أن بين نزول الماء من السماء على البذرة وبين خروج البذرة من الأرض زمن ، وبين استواء العود على سوقه وحمله للحب زمن وبين حصاده زمن لكن جاء الترتيب بالفاء هنا لم تفد التعقيب ، فكذلك الأمر في فاء الترتيب هنا لم تفد التعقيب وإنما الله سبحانه وتعالي قضى أن يكون الحمل حملا طبيعيا تسعة أشهر كما تحمل النساء بأولادهن ، ولو كان الحمل مرة واحدة حملت فولدت لكانت هذه معجزة كبيرة ومعجزة كبيرة خارقة للعادة فكانت أولى أن يصرح الله تبارك وتعالي بها في القرآن الكريم ، فلما لم يصرح الله تبارك وتعالي بأن حمل عيسى لم يكن على خلاف العادة حملن الحمل على ما جرت به عادة النساء ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّ ﴾ [مريم:22]

لما انقضت التسعة شهور مدة الحمل المعهودة وحست مريم بقرب وضعها خرجت بحملها وانتبذت أيضا ولكن مكانا قصيا ، فبعدت هذه المرة أبعد من بعدها حين خرجت أول مرة لحاجتها ﴿انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّ ﴾[مريم: من الآية16] ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّ ﴾ [مريم:22]

الأخذ بالأسباب واجب:

﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ ﴾[مريم: من الآية23] ﴿فَأَجَاءَهَ ﴾ [مريم: من الآية23] أي ألجأها واضطرها المخاض والمخاض هو الطلق ، والطلق هو وجع الولادة المخاض ، والطلق وجع الولادة سمي مخاضا من الخض والخض هو شدة التحريك .

﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ ﴾[مريم: من الآية23]أي ألجأها وجع الولادة إلي جذع النخلة ، كانت نخلة قيل: كانت يابسا ليست فيها حياة ، وقيل: كانت نخلة حية ولكن ليس عليها بلح ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ ﴾[مريم: من الآية23] وهنا لما جلست تنتظر الوضع أخذت تفكر في المستقبل كيف ستواجه قومها ، وماذا تقول لها ، فتمنت الموت قبل هذه الساعة ﴿ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّ ﴾[مريم: من الآية23] .

ما المراد بالنسي المنسي : فالنسي المنسي الشيء الذي ينساه المسافرون في محطة نزولهم ويتركونه فإذا تذكروه لم يعبأو به ولم يهتموا به ولم يرجعوا إليه 0

فلما ألجئَها المخاض وجلست تنتظر نزول ابنها من بطنها تمنت الموت ولا تواجه هذا الموقف الصعب عليها ﴿ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّ ﴾ [مريم:23] ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّ ﴿وَهُزِّي '>#64830;﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّ ﴿فَكُلِي '>#64830;﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّ ﴾ [مريم:26]

﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَ] بكسر الميم في مِن وبكسر التاء في تحتِها على إن "من" حرف جر و"تحتها" مجرور وفي قراءة " فناداها مَن تحتَها "

بفتح الميم على إنها اسم موصول وفتح التاء في تحتها على أنها ظرف مكان ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَ ﴾[مريم: من الآية24] على القراءتين من تحتها ومن تحتها اختلف المفسرون في المنادي ، من الذي نادى مريم عليها السلام ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَ ﴾[مريم: من الآية24] بعض المفسرين أن المنادي هو جبريل عليه السلام وهذا قول مرجوح ، والراجح أن الذي ناداها هو ابنها عيسى عليه السلام يدل على رجحان كون المنادي عيسى عليه السلام أن جبريل لم يذكر أو لم يرد له ذكر في هذا الخروج الثاني ، لم يرد ذكر لجبريل هنا ثم إن الضمائر كلها في هذا السياق تعود على عيسى ، ناداها ساعة ولادته ليطمئنها أولا لأنه قال لها كما سمعنا ﴿ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّ ﴾[مريم: من الآية26] إذا واجهت قومك فلا تتكلمي معهم واتركي الكلام لمولودك هذا ، فكانت الحكمة تقتضي أن تسمع كلام المولود أولا حتى تكون على يقين تام أنها إذا أشارت إليه ليكلمهم تكون على يقين أنه قادر على كلامهم ،

ثانيا : ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّ ﴾[مريم: من الآية24] كانت في جذع نخلة ولم يكن عندها ماء فأنبع الله تبارك وتعالي لها عين ماء نهرا جاريا أجراه من حينه حتى تشرب منه.

ثم ثالثا : ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّ ﴾ [مريم:25]

قالوا النخلة كانت ميتة أو كانت حيا لكن ليس بها رُطَب ومع ذلك الله تعالي قال لها ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّ ﴾ [مريم:25]

سقوط الرطب بهز الجذع هذه كرامة خارقة للعادة ، وعلمنا الأخذ بالأسباب في أمره مريم وهي النفساء الضعيفة أن تبذل ما في وسعها من الأسباب وإن كانت ضعيفة ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّ ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي ﴾[مريم: من الآية26]كلي هنيئا واشربي هنيئا وقري عين يقال قر الله عينك أي أراها ما يسرها ،

﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً ﴾[مريم: من الآية26]عن الكلام فلن أتكلم فكيف تقول لهم إني نذرت صوماً ، قال فقولي أي بالإشارة كما أشار زكريا لقومه فأوحى إليهم كذلك أنتي إذا واجهتِ الناس فلا تتكلمي أشيري إلي مولودك هذا ليتكلم عنك ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً ﴾[مريم: من الآية26] وكان الصيام عن الكلام في شريعة من قبلنا ونسخ 0



اللهم أصلح لنا النية والذرية0

سبحانك اللهم وبحمدك اشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب اليك0


  


زيارات تعليقات
تقييمات : [5]
1169 0
عرض الردود
شاركنا رأيك

أدخل ناتج جمع العددين 2 و 3

الحقوق محفوظة لصالح شركة نيربا للإنتاج الجرافيكي ©