جديد بوابة التدوين :

القائمة الرئيسية

إستفتاء

ما رأيك بموقعنا ؟

[ 239 ]    ( 39% )


[ 173 ]    ( 28% )


[ 208 ]    ( 34% )

إجمالي الأصوت: 620

احصائيات عامة

المقالات 1,143
الصور 25
الفنانين 37
الأغاني 323
المرئيات 413
البرامج 4
المواقع 0

المجموع 1,945

إختر شكل الموقع

default-red default-purple
default-green multimedia
silver video
news_plus audio
default

(الدرس السادس عشر)
النسخة الكاملة - - الجمعة 1 / 09 / 2006 - 03:35 صباحاً
بسم الله الرحمن الرحيم

(الدرس السادس عشر)

مريم في مواجهة قومها:

فلما رأت هذه الكرامات التي تدل على أنها في رعاية الله وكلأه وعنايته وحفظه ، اطمئن قلبها ، وعلمت أن الله سبحانه وتعالي سيبرئها بنطق ابنها في المهد صبيا، ﴿فَأَتَتْ بِهِ ﴾ أي بولدها بعيسى بن مريم عليهما السلام ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ ﴾فما هم أن رأوها حتى بادروا بالاتهام والإنكار ﴿قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّ  ، والافتراء هو الكذب والاختلاق ، وهذا كناية عن الزنا .

من هو هارون الذي نسبوها إليه:

﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّ ﴾ليس هارون المذكور في هذه القصة هو أخا موسى عليهما السلام ، ولكنَّ القوم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم وصالحيهم ، وكان هارون هذا رجلاً صالحاً في بني إسرائيل ، وكانوا يشبهون به غيره في الصلاح والبر والتقوى .  والعرب تطلق لفظ الأخ على النظير والشبيه ،يعني يا شبيهة هارون في البر والتقوى والصلاح لقد كنا نحسن الظن بك حتى شبهناك بهذا الرجل الصالح هارون فما الذي كان منك وما هذا الذي افتريتيه ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّ ﴾ يعنون أنكي من بيت طاهر من بيت عفيف من سلالة طيبة من ذرية صالحة أبوك رجل صالح وأمك كذلك ما كانت بغيا ، والبغي هي الزانية فكيف نشزت أنت وخرجت عن سلوك وسير آبائك وأمهاتك وخالفتيهم في السلوك والسير فاقترفتي هذا البهتان الذي وقعتي فيه .

بكل ثقة وبكل هدوء أعصاب وبكل طمأنينة قلب أشارت إليه قالت لا تكلموني كلموه هو فهو الذي سيبرئني ويعبر عن حقيقته ويكشف عن هويته لكم﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ] كما وصاها ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّ] . كيف تأمرينا أن نكلم هذا الصبي المولود ولم تجرى العادة قبل بأن يتكلم مثل هذا المولود في المهد صبيا قال بعض المفسرين قالوا لسخريتها بنا حيث تأمرنا أن نكلم ولدها أشد علينا من زناها 0

فضائل عيسى عليه الصلاة والسلام:

﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ﴾ قالوا منكرين عليها الإشارة والأمر بكلامه ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّ ﴾ فأنطق الله تعالي عيسى بن مريم عليه السلام وهو حديث عهد بولادة ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ ﴾ ولست إله ولا ابن الله ﴿ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ ﴾[ يعني الإنجيل ﴿ وَجَعَلَنِي نَبِيّ ﴾ وهذا كلامه في المهد صبيا قال ﴿ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّ ﴾[مريم: من الآية30] وهو لم يؤتي بعد الكتاب ولم ينبى لكن لما كان تنبيهه أمرا محققا وتنزيل الكتاب عليه أمرا محققا عبر عنه بلفظ الماضي وكأنه حصل لأن كل ما يخبر الله به أنه سيكون فلابد أن يكون كما أخبر الله فإذا عبر عنه بالماضي فالمراد إفادة تحقق هذا الذي أخبر الله عنه . كما قال الله تعالي ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ ﴾[القمر: من

﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ ﴾[مريم: من الآية31] وجعلني الله تبارك وتعالي مباركا أين ما كنت وأين ما حللت وأينما نزلت ، قال جمهور المفسرين قوله تعالي ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ ﴾[مريم: من الآية31] من بركته عليه الصلاة والسلام كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر في كل مكان ينزله ، ومن بركته عليه الصلاة والسلام أنه كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيى الموتى بإذن الله ، ومن بركته عليه الصلاة والسلام أنه أحل لبني إسرائيل بعض ما كان محرما عليهم .

﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي ﴾ربي سبحانه وتعالي وأوصاني ﴿بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّ ﴾ وصاني الله تبارك وتعالي بالصلاة وهي أعظم حق لله تبارك وتعالي على العباد وأوصاني بالزكاة وهي حق الفقراء والمساكين على الأغنياء ، فما دام الإنسان حيا عاقلا فهو مكلف شرعا لا يسقط التكليف عن إنسان حي عاقل أبدا 0﴿وَبَرّاً بِوَالِدَتِي] أي وجعلني الله تبارك وتعالي برا بوالدتي .

وإنما جعلني برا بأمي وبرا بالناس ومطيعا وتقيا لله سبحانه وتعالي ﴿وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّ ﴾ وقد سلمه الله تعالي عند ولادته كما في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ( ما من مولود يولد إلا مسه الشيطان عند ولادته فيستهل صارخا إلا مريم وابنها إقرأو إن شئتم قول الله عز وجل ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾[آل عمران: من الآية36] فسلمه الله يوم ولادته وسيسلمه إن شاء الله تعالي يوم يموت وسيسلمه أيضا يوم يبعث حيا .

﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﴾هذا هو القول الفصل فيه هذا هو القول الحق في شأن عيسى بن مريم ﴿ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ ﴿مَا '>#64830;﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ ﴾ ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ ﴾لا يليق بالله ولا ينبغي بجلال الله ولا يحق لله تبارك وتعالي ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ ﴾[مريم: من الآية35] تعالي وتقدس وتنزه عن اتخاذ الولد 0

هذه الآيات كالجملة المعترضة في أثناء كلام عيسى عليه السلام هذه الآيات من أول قوله تعالي ﴿وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّ ﴾ ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ ﴾ [مريم:34] ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ] [مريم:35] هاتان الآيتان كالجملة المعترضة في كلام عيسى بن مريم عليه السلام لأن قوله تعالي بعد ذلك ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ﴾ [مريم:36] هذا من تمام كلام عيسى بن مريم عليه السلام ﴿وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّ ﴾ [مريم:33] ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ﴾[مريم: من الآية36] هذا هو كلام عيسى بن مريم عليه السلام فجاءت الآيتان اللتان تخللت هذه الآيات وهذا الكلام كالجملة المعترضة .

فعيسى بن مريم أمرهم بتوحيد العبودية بناء على توحيد الربوبية ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ﴾[مريم: من الآية36]فإذا أقررتم بأن الله ربكم لزمكم أن تعبدوه وحده سبحانه وتعالي ، كما قال تعالي ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة:21]

﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ [مريم:36] فالصراط المستقيم أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا وأن يكفر بكل ما يعبد من دون الله سبحانه وتعالي وهذا معني لا إله إلا الله الكفر بكل ما عبد من دون الله والإيمان بألوهية الله تبارك وتعالي وحدة .

اختلاف بنو إسرائيل في عيسى :

قال تعالي ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ ﴾ فمن بنو إسرائيل انقسموا قسمين اليهود والنصارى أما اليهود ففرطوا في حق عيسى عليه السلام فرطوا في حقه ونسبوه إلي الزنا نسبوا أمه إلي الزنا ونسبوه إلي السفاح وقالوا عنه ساحر ، وأما النصارى فغلوا في حق عيسى عليه السلام يعني قابلوا تفريط اليهود بالإفراط في عيسى عليه السلام فمنهم من جعله إلها ومنه من جعله ابنا لله ومن من قال ثالث ثلاثة ، ومنهم فريق آمنوا به وبما أخبرهم به عن نفسه ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ ﴾ فقالوا هو عبد الله ورسوله ولذلك ربنا قال ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ ولم يقل فويل لهم ، ولم يقل فويل للأحزاب وإنما قال ﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُو ﴾ [مريم: من الآية37] أي من الأحزاب لأن هناك حزبا آمن بعيسى بن مريم أنه عبد الله ورسوله ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾[مريم: من الآية37] ويل لهم يوم يبعثون ويل لهم يوم يردون إلي الله تبارك وتعالي ، وقد قيل إن الويل واد في جهنم تستغيث جهنم بالله من شدة حره فكيف بساكنه .

﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ [مريم:37] ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَ ﴾ [مريم: من الآية38] معني الكلام ما أسمعهم وما أبصرهم يوم يأتوننا ، يعني إنهم في يوم القيامة يسمعون جيدا ويرون الأشياء على حقيقتها ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَ ﴾[مريم: من الآية38] لكن كيف حالهم في الدني﴿لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾[مريم: من الآية38] هم في الدنيا لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولم آذان لا يسمعون بها ، أما يوم القيامة ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾ [قّ:22]

ولذلك تعجب الله تبارك وتعالي من سمعهم وبصرهم فقال ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَ ﴾[مريم: من الآية38] يعني ما أسمعهم وما أبصرهم يوم يأتوننا ﴿لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾[مريم: من الآية38] فإذا ماتوا انكشف الغطاء وظهرت الحقائق وتجلت الأمور كما قال تعالي﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا ﴾ أي يقولون ربن﴿أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ ﴾ [السجدة:12]

·       ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ الإنذار معناه الإعلام المصحوب بالتخويف ، أنذرهم يا نبينا أي خوفهم من عذاب الله عز وجل ، أنذرهم بأسا شديدا لعلهم يخافون فيقلعون عما هم فيه من الكفر والشرك الذي استحقوا به العذاب أنذرهم وخوفهم ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ فسر النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية فقال يؤتي بالموت يوم القيامة على صورة كبش أملح فيوضع على صور بين الجنة والنار ، ثم ينادى يا أهل الجنة فيشرئبون ينظرون ، ويا أهل النار فيشرئبون ينظرون فيقال أتعرفون هذا فيقولون نعم إنه الموت فيذبح هذا الكبش الذي يمثل الموت ثم ينادى يا أهل الجنة خلود بلا موت ، ويا أهل النار خلود بلا موت ثم قرأ صلى الله عليه وسلم قول ربه ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ [مريم:39]

والمعني أن الحسرة ستصيب المتحسرين يوم القيامة بعد دخولهم النار ورؤيتهم دخول المؤمنين الصالحين الجنة فإذا رأو الناس دخلوا الجنة وهم في النار تحسروا حين إذن حسرة ما بعدها حسرة وندموا ندامة ما بعدها ندامة .

انتبه لصيغة الكلام ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ﴾ أربع ضمائر للمتكلم بأسلوب الجمع والله تبارك وتعالي واحد لا ثاني له ، وإنما يتكلم بأسلوب عظمة والعزة والكبرياء لأنه العزيز وأنه المتكبر وأنه العلي العظيم ،0 يوم القيامة لا يملكون شيئا ، وإلينا يرجعون يوم القيامة ليس معهم مما ملكوه في الدنيا شيء كما قال تعالي ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ ﴾[الأنعام: من الآية94]

فضائل إبراهيم الخليل عليه السلام:

﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّ ﴾ ، فأي شرف أعظم من هذا الشرف وأي ذكر أحسن من هذا الذكر أن يذكر الله تبارك وتعالي إبراهيم عليه السلام في هذا الكتاب المهيمن على الكتب السابقة ،وإبراهيم عليه السلام هو أبو العرب ﴿ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ﴾[الحج: من الآية78] هو أبو العرب وكان العرب ينازعون اليهود والنصارى شرف الانتساب إلي إبراهيم عليه السلام ، كان اليهود والنصارى والعرب يتنازعون شرف الانتساب إلي إبراهيم عليه السلام .

فالنبي يقول لهم إذا كنتم امتنعتم عن اتباعي على ما جئت به من عند الله حرصا على تمسككم بدين آبائكم ، وإبراهيم هو أشرف آبائكم فاتبعوا ملة أبيكم إبراهيم فأنا في الأصل على ملة أبيكم إبراهيم . ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ﴾[مريم: من الآية41] ثم إنكم يا معشر العرب إما أن تكونوا مقلدين أو مستدلين ، لأن الناس قسمان عامي مقلد ، وطالب علم متبع . فالنبي يقول لهم لمشركي العرب إما أن تكونوا من العامة مقلدين ، وإما أن تكونوا مستدلين ، فإن كنتم مقلدين آبائكم فإن أولى آبائكم بالتقليد إبراهيم ﴿ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيف ﴾ [آل عمران: من الآية95] وإذا كنتم مستدلين أي كان عنكم أثارة من العلم تستطيعون أن تميزوا بها بين الأدلة وترجحوا بعضها على بعض فاتبعوا إبراهيم في ذلك واسمعوا هذه الأدلة والبراهين التي حاج بها إبراهيم آباه أزر .

من هو الصديق ؟

﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّ ﴾ الصديق هو من كثر صدقه وتصديقه ، الصديق هو الذي إذا حدث الناس صدقهم ، وإذا حدث والصديقية مرتبة دون مرتبة النبوة وفوق مرتبة الشهادة ، قال الله تعالي ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ﴾ [النساء:69]

﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّ ﴾ [مريم:41]

انتبه من هذا الترتيب في وصف الخليل إبراهيم عليه السلام ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّ ﴾[مريم: من الآية41] وقد قلنا إن الصديقية مرتبة دون مرتبة النبوة ، فالله تبارك وتعالي استعمل أسلوب الارتقاء في المدح من الأدنى إلي الأعلى ، فإذا أردت أن تمدح إنسانا فأتي بأدنى صفاته وارتقي منها إلي الأعلى فهذا هو أسلوب المدح الحسن ،

﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ ﴾ [مريم:42] تكررت منه عدو مرات ، انتبه لهذه اللفظة ﴿ يَا أَبَتِ ﴾[مريم: من الآية42] التاء في كلمة يا أبت التاء عوض عن ياء الإضافة ، ﴿ يَا أَبَتِ ﴾[مريم: من الآية42] كلمة أب قم اتصلت بها التاء ، هذه التاء ﴿يَا أَبَتِ ﴾[مريم: من الآية42] عوض عن ياء الإضافة تقدير كلام يا أبي لكن لفظة ﴿ يَا أَبَتِ ﴾[مريم: من الآية42] فيها من الحنان والعطف والرفق واللين والرقة ما فيها

قال أهل السنة في هذه الآية دلالة على أن الله سميع بصير لأن إبراهيم عليه السلام أنكر على أبيه عبادة ما لا يسمع ولا يبصر فلم يرد آزر على ولده الإنكار ، لم يرد عليه إنكاره ، ولم يقل له ما الفرق بيني وبينك أنا أعبد ما لا يسمع ولا يبصر وأنت كذلك تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ، لم يرد آزر على ابنه الإنكار لأنه كان يعلم أن الله سميع بصير .

﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئ ﴾ [مريم:42] المفروض في الداعي حين يدعوا أنه يكون على يقين من أن من يدعوه يسمعه ، وأن من يدعوه يراه ، وأن من يدعوه قادر قوي غني فكيف أنت تدعو ﴿مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئ ﴾[مريم: من الآية42]

مرة ثانية يستدر عطفه وحنانه بالنداء بلفظ يا أبت ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّ ﴾ [مريم:43] يتلطف إبراهيم عليه السلام في دعوة أبيه ويرفق به فلا يغلو في مدح نفسه ولا يفرط في حق أبيه ،وإن كان قد آتاك شيء من العلم وإن كنت على حظ من العلم إلا أنني آتاني من الله تبارك وتعالي علم ليس عندك ،

مرة ثالثة﴿يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ ﴾وهل كان آزر أبو إبراهيم يعبد الشيطان ؟ إنه كان يعبد الأصنام والأوثان كان يعبد الحجارة فلم يكن يعبد الشيطان ، كان يعبد الحجارة والأوثان بتزيين الشيطان فالشيطان هو الذي دعاه إلي عبادة الأصنام والأوثان من دون الله ، فلما اتبعه وأطاعه في عبادة الأحجار من دون الله كان كأنه عبد الشيطان ، ولذلك قال له ﴿يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّ ﴾ [مريم:44]

والعاصي لله لا يجوز أن يطاع في ما يدعو إليه لمعصية الله عز وجل ، ثم العاصي لا يكون إلا جاهلا 0

فإبراهيم عليه السلام يقول لأبيه يا أبت ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّ ﴾ [مريم:44] فكيف تتبعه وكيف تطيعه وقد عصي الله سبحانه وتعالي .

ومرة رابعة ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّ ﴾ [مريم:45]

﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ ﴾[مريم: من الآية45] أنا لا أجزم بأنه قد حقت عليك كلمة العذاب أنت مازلت حيا ومازلت أطمع في إيمانك وإسلامك وهدايتك ، فأنا لا أجزم أنه قد حقت عليك كلمة العذاب وأن الله لن يهديك لكنني أخاف عليك إن أنت سرت في ما أنت فيه من الكفر والعناد ولم تتبعني ﴿ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّ ﴾[مريم: من الآية45] والشيطان لا ينصر أوليائه بل يخذلهم ويتبرأ منهم أحوج ما يكونون إليه ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّ ﴾ [مريم:45] الشيطان لا ينصر أتباعه وإنما يخذلهم ويتبرأ منهم في الدنيا وفي الآخرة ، الشيطان يخذل أوليائه ويتبرأ منهم في الدنيا وفي الآخرة .

كيف أجاب آزر آباه إبراهيم عليه السلام:

﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ ﴾ [مريم:46] فلم يراعي آزر لابنه حرمة ولم يراعي حق القرابة ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ ﴾ أي عن سبها وهجرها ودعوتي إلي هجرها ﴿ لَأَرْجُمَنَّكَ ﴾ أي لأرجمنك بالحجارة حتى الموت فإذا أردت السلامة فاهجرني واعتلني وابتعد عني ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيّ ﴾[مريم: من الآية46] فلم يقابل الخليل إبراهيم عليه السلام جهل أبيه بجهل ولا إساءة أبيه بإساءة ولا قسوة أبيه بقسوة ، وإنما قابل الجهل بالحلم وقابل الإساءة بالإحسان وقابل الغلظة والفظاظة بالرفق والرحمة ﴿قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ ﴾ [مريم:47] حين يؤذى الإنسان في الله فيتأدب بهذا الأدب ألا يقابل جهل الجاهل بالجهل وإساءة المسيء بالإساءة يوكل الله تبارك وتعالي له ملكا يدافع عنه .

﴿قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّ ﴾ الله تبارك وتعالي عودني البر والحنان والرحمة والعطف وإجابة الدعاء وإعطاء السؤال وأنا سأستغفر لك ربي ، وأرجو ربي أن يغفر لك بسبب استغفاري لك ﴿ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّ ﴾[مريم: من الآية47]

﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ﴾ [التوبة:114] إذن قول إبراهيم لأبيه ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ﴾[مريم: من الآية47] وعده أن يستغفر الله له فاستغفر له في حياته ، فلما مات على كفره وشركه وظهرت عداوته لله تبارك وتعالي تبرأ ابنه إبراهيم منه ولم يستغفر له .

﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ [مريم:48] لم يبقي لوجودي بينكم فائدة وقد أصررتم على الكفر وأبيتم إلا الشرك ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيّ ﴾ [مريم:48] أنا أعتزلكم وما تعبدون من دون الله وأعبد الله وحده لا أشرك به شيئا ﴿وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيّ ﴾[مريم: من الآية48] انتبه في هذا الكلام تلميح لهم يقول أنا أدعو ربي ولن أكون بدعاء ربي شقيا وأنتم عبدتم غير الله ودعوتم غير الله فستكون عبادتكم لغير الله سببا لشقائكم في الدنيا وفي الآخرة ، هذا معني الكلام ولكن الخليل إبراهيم عليه السلام يستعمل التلميح محل التصريح ، ويستعمل التعريض محل المواجهة

﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ﴾[مريم:49] وذلك بعد إسماعيل عليه السلام ، وهبنا له إسحاق ويعقوب بن إسحاق ذلك بعد إسماعيل عليه السلام ، وكلا من إسحاق ويعقوب ﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّ ﴾ [مريم:50]

والمراد باللسان الذكر الحسن والثناء الجميل ، سمي الذكر الحسن والثناء الجميل لسان لأنه يكون باللسان ، والعرب تسمي الشيء باسم ما يكون به من الجوارح ،0

هذا جهد مقل فإن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان 000اخوكم أبو أسامة0

اللهم أصلح لنا النية والذرية0

سبحانك اللهم وبحمدك اشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب اليك0

زيارات تعليقات
تقييمات : [5]
1220 0
عرض الردود
شاركنا رأيك

أدخل ناتج جمع العددين 3 و 5

الحقوق محفوظة لصالح شركة نيربا للإنتاج الجرافيكي ©