جديد بوابة التدوين :

القائمة الرئيسية

إستفتاء

ما رأيك بموقعنا ؟

[ 239 ]    ( 39% )


[ 173 ]    ( 28% )


[ 208 ]    ( 34% )

إجمالي الأصوت: 620

احصائيات عامة

المقالات 1,143
الصور 25
الفنانين 37
الأغاني 323
المرئيات 413
البرامج 4
المواقع 0

المجموع 1,945

إختر شكل الموقع

default-red default-purple
default-green multimedia
silver video
news_plus audio
default

(الدرس الأخير)
النسخة الكاملة - - الجمعة 1 / 09 / 2006 - 03:44 صباحاً

  بسم الله الرحمن الرحيم

(الدرس الأخير)

أولاً: سبب نزول قوله تعالى : ﴿ أَفَرَءَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا ﴾ [مريم: 77].

جاء في الصحيح في سبب نزول هذه الآيات أن خباب بن الأرت رضي الله عنه كان حدادا بمكة فصنع للعاصي ابن وائل شيئا من الحديد على أجل ثم جاء يتقاضاه فقال له العاص لا أقضيك حتى تكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم فقال خباب والله لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث فقال له العاص وإني لمبعوث بعد الموت؟ قال نعم قال إذا سيكون لي هناك مال وولد فأقضيك هناك فنزلت هذه الآيات0

ثانيًا: ﴿ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ [ق: 18].

·       هذه عقيدته أنه لا بعث بعد الموت ولكن لو فرضنا جدلا على سبيل التسليم لهؤلاء الذين يقولون بالبعث بعد الموت ﴿ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْهَا مُنقَلَباً ﴾ [الكهف: 36]. هكذا قال العاص لخباب أيضا لئن بعثني الله تعالى سيكون لي مالي فأقضيك دينك هناك في الآخرة ﴿ أَفَرَءَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً ﴾. ما مستند في هذا القول وما دليله وما حجته ﴿ أَطَّلَعَ الغَيْبَ ﴾ . ولا يعلم الغيب إلى الله سبحانه وتعالى ، هل اطلع الغيب وكشفت عنه الحجب ورأى الآخرة وما فيها ورأى أن له فيها مالا وولدا ﴿ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْداً ﴾. أن الله سبحانه وتعالى إذا بعثه يوم القيامة يؤتيه في الآخرة مالا وولدا كما آتاه في الآخرة مالا وولدا ﴿ أَطَّلَعَ الغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْداً كَلاَّ ﴾. كلمة زجر ووعيد ونفي لما سبق فهو لم يطلع الغيب ولم يتخذ عند الرحمن عهدا ﴿ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ ﴾. فهذه الكلمة التي قالها كتبها الله تبارك وتعالى عليه شأنها في ذلك شأن كل الكلام الذي يتكلم الإنسان به قال الله تعالى ﴿ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ [ق: 18]. فكل كلمة يتفوه بها الإنسان يكتبها الملكان إن خير وإن شرا إن حسنة وإن سيئة يكتبانها ثم الله سبحانه وتعالى يجزي به يوم القيامة ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَراًّ يَرَهُ (8) ﴾ [الزلزلة: 7، 8]. قال العلماء الكلام أربعة أقسام خير محض وشر محض وخير مشوب بالشر والخير أغلب وشر مشوب بخير والشر أغلب فالنبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت) فأذن لنا في ربع الكلام وأمرنا بالسكون عن ثلاثة أرباع الكلام ولذلك قالوا خلق الله تعالى للإنسان أذنين ولسان واحد ليسمع أكثر مما يتكلم0

·        ﴿ كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذَابِ مَداًّ ﴾. المدد الزيادة سنتدخله جهنم يصلاها مذموما مدحورا يذوق فيها العذاب ثم هو دائما في زيادة من هذا العذاب ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذَابِ مَداًّ (79) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ ﴾. هذا المال الذي غره وهؤلاء الأولاد الذين اغتر بهم وأعجب بماله وولده الله سبحانه وتعالى سيرثه في كل ما يقول لأن الله سبحانه وتعالى قال ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ﴾. وقال النبي صلى الله عليه وسلم (يتبع الميت ثلاثة أهله وماله وعمله فيرجع اثنان ويبقى واحد يرجع أهله وماله ويبقى عمله)

ثالثًا: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعاً ﴾ [فاطر: 10].

·       ثم يقول تعالى ﴿ وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزاًّ ﴾. هؤلاء المشركون عبدوا من دون الله آلهة يطلبون بعبادتها العزة ، والعزة الغلبة والمنعة والظهور والرياسة والمجد والريادة، لقد أخطئوا الطريق وطلبوا العزة من غير مالكها لأن العزة لله جميعا كما قال تعالى : ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعاً ﴾ [فاطر: 10]. وفي تقديم الجار والمجرور ﴿ فَلِلَّهِ ﴾ يفيد الحصر والقصر ، فمن أراد العزة فليطلبها من الله تبارك وتعالى بعبادته وحده لا شريك له فإن الله هو العزيز وهو الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء كما قال تعالى : ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ المُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ﴾ [آل عمران: 26].

·       ﴿ وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزاًّ (81) كَلاَّ ﴾. لن يكونوا لهم كما تمنوا بل سيكفرون بعبادتهم هؤلاء الآلهة التي عبدوها من دون الله يوم القيامة يكفرون بشركهم كما قال تعالى : ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (5) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (6)﴾ [الأحقاف: 5، 6]. 165- 167]. ﴿ وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزاًّ (81) كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِداًّ ﴾ [مريم: 81- 82]. لن يعزوهم في الدنيا ولن يمنعوهم من عذاب الله في الآخرة كما قال تعالى : ﴿ وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ (74) لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ (75) ﴾ [ يس: 74، 75]. أي في العذاب المهين يوم القيامة

رابعًا: تسلط الشياطين على الكافرين.

·       ثم قال تعالى : ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزاًّ ﴾. الأز هو الهز الأز هو الهز والهز معروف هو تحريك الشيء بشدة فالأز هو الهز والله تبارك وتعالى يقول معجبا من تسلط الشياطين على الكافرين ألم تر يا نبينا ولم تر أيها العاقل السامع ﴿ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزاًّ ﴾. أي تزعجهم إلى المعصية إزعاجا وتدفعهم إليها دفعا ولذلك لا ترى الكافر إلا سريعا في معصية الله بطيئا عن طاعته لا ترى الكافر إلا سريعا في معصية الله لماذا؟ لأن الشياطين تؤزهم أزا تدفعهم إلى الشر تدفعهم إلى الخطيئة تدفعهم إلى المعصية دفعا 0

·       وقد يعتذر بعضهم عن هؤلاء الكافرين ويلتمس لهم العذر إذ أن الله سبحانه هو الذي أرسل الشياطين عليهم تؤزهم أزا إلى المعصية إذا هم معذورون هم مدفوعون دفعا إلى المعصية بأز الشياطين لهم والجواب أنهم ليسوا معذورين لأن هذا الأز وهذا الهز وهذا الدفع إلى المعصية إنما كان بعد أن أعرضوا عن الله سبحانه وتعالى وعن الهدى الذي بعث به رسوله صلى الله عليه وسلم ولذلك قال ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ (37) ﴾ [الزخرف: 36، 37]. فتسلط الشياطين على الكافرين لم يكن إلا بعد براءة الكافرين من رب العالمين وتولهم الشيطان ولو أنهم تبرءوا من الشياطين وتولوا رب العالمين سبحانه وتعالى وأخلصوا له لأستخلصهم الله تبارك وتعالى ولحفظهم من شر الشياطين فإن الله تبارك وتعالى قال للشيطان ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾ [الحجر: 42]. والشيطان اعترف بذلك فقال ﴿ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصِينَ ﴾ [ص: 83]. فهؤلاء الكافرون هم الذين تولوا الشياطين من دون الله رب العالمين فوكلهم الله إلى الشيطان الذي تولوه من دون الله عز وجل

خامسًا: لكل أمة أجل.

·       ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزاًّ (83) فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾. لا تستعجل هلاكهم  ﴿ فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَداًّ ﴾. الله سبحانه وتعالى جعل لكل أمة أجل هكذا قال ربنا ﴿ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ [الأعراف: 34]. فكما أن الأفراد لكل فرد أجل فكذلك الأمم ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ وكما أن الإنسان إذا جاء أجله لا يتقدم ولا يتأخر فكذلك الأمم إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون فالأمم الظالمة الله سبحانه وتعالى سمى لها أجلا فلن تزول ولن تبيد قبل هذ الأجل مهما استعجل المسلمون هلاك الظالمين فلن يهلكوا ولن يبادوا حتى يستوفوا آجالهم التي كتبها الله تبارك وتعالى لهم ﴿ فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَداًّ ﴾ والشيء المعدود هو الشيء القليل أم الشيء الكثير هو الذي ليس له حصر ولا عدد ولذلك قال تعالى : في قصة يوسف عليه السلام ﴿ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ ﴾ [يوسف: 20]. ما هو هذا الثمن البخس ﴿ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ ﴾. فالشيء المعدود قليل فالأمم الظالمة لها أجال معلومة ومعدودة فلا تستعجلوا هلاك الظالمين ﴿ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَداًّ ﴾. كان ابن عباس رضي الله عنهما إذا قرأ هذه الآية بكى ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَداًّ ﴾ ويقول ما بعد العد إلا الموت وما بعد العد إلا فراق الأهل وما بعد العد إلا دخول القبر

سادسًا: صفة حشر المؤمنين والكافرين.

·       ثم ذكر الله تعالى أهوال يوم القيامة وصفة حشر المؤمنين المتقين وصفة حشر الكافرين المجرمين فقال تعالى : ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً (85) وَنَسُوقُ المُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً (86)﴾. الوفد جمعا واحده وافد كركب وراكب فالراكب واحد وجمعه ركب والوافد واحد وجمعه وفد ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً ﴾. من عادة الوفد أنه إذا قدم قدم راكبا ومن عادة الوفد أنه إذا أتى لشيء جاء وكله أمل وكله رجاء في قضاء ما جاء له وفي إعطائه ما يسأله فالمتقون يحشرون يوم القيامة ركبانا في هيئة الوفود الراكبة وكلهم أمل ورجاء وطمع في رحمه الله تبارك وتعالى ومغفرته ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً ﴾. أي ركبانا وكلهم أمل ورجاء وطمع في رحمه الله تبارك وتعالى ومغفرته والله تبارك وتعالى يقول (أنا عند حسن ظني بي) فهم يرجون رحمة الله تبارك وتعالى وسيكون الله عند حسن ظنهم إن شاء الله

·       ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً (85) وَنَسُوقُ المُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً (86) ﴾. قال بعض المفسرين ﴿ وِرْداً ﴾ في مقابل ﴿وَفْد﴾ فالوفد الراكب والورد الماشي الوفد الراكب والورد الماشي وقال بعض المفسرون ﴿وِرْداً ﴾ أي عطاشا ﴿ وَنَسُوقُ المُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً ﴾ أي عطاشا لأن الله سبحانه وتعالى إذا حشر الناس في أرض المحشر بعد بعثهم من قبورهم إذا حشر الله تعالى وجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد الشمس فوق الرءوس دانية وجهنم بالموقف محيطة والزحام شديد هنالك في هذه الساعة الله تبارك وتعالى يكرم المؤمنين في أرض الموقف فيطعمهم ويسقيهم يطعمهم يقول النبي صلى الله عليه وسلم (تكون الأرض يوم القيامة كالخبزة يتكفأها الجبار بيمينه كما يتكفأ أحدكم خبزته في السفر) فالله تبارك وتعالى يجعل الأرض المبدلة يوم القيامة خبزة يطعم منها المتقين في أرض المحشر ويسقيهم من حوض النبي صلى الله عليه وسلم فهم يساقون إلى الجنة وقد شبعوا وذهب ظمأهم وزال أما المجرمين فالله يقول ﴿ وَنَسُوقُ المُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً ﴾. فقال بعض المفسرين ﴿ وِرْداً ﴾ في مقابل ﴿ وَفْداً ﴾ فالوفد الراكب والورد الماشي وقال بعضهم الورد أي العطاش يحشرون عطاشا مشاة ولا مانع من إطلاق تفسير الآية أو اللفظ بالقولين ويجمع بينهما أنهم يحشرون إلى جهنم مشاة وهم أشد ما يكونون عطشا وظمأ والعياذ بالله

سابعًا: أسعد الناس بالشفاعة يوم القيامة.

·       ( لاَ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْداً (87)﴾ المشركون اتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا فقال سبحانه وتعالى ﴿ كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِداًّ ﴾. ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ ﴾ [يونس: 18]. فقال تعالى : ﴿ لاَ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ ﴾ هؤلاء الذين عبدتموهم من دون الله لا يملكون الشفاعة فكيف ترجون شفاعتهم وهم لا يملكون الشفاعة إنما قال تعالى : ﴿ قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً ﴾ [الزمر: 44]. فالشفاعة ملك الله سبحانه وتعالى ﴿ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ﴾ [البقرة: 255]. لا أحد فالله تبارك وتعالى هو مالك الشفاعة وهو الذي يأذن للشافع إكراما له وإظهارا لفضله على رءوس الأشهاد يأذن لفلان من الناس أن يشفع وتكون الشفاعة محددة في هؤلاء الناس وتكون في المشفوع رحمة به تكون الشفاعة في للشافع إظهارا لفضله ومنزلته عند الله سبحانه وتعالى وتكون رحمة بالمشفوع فيه لكنها كلها لله تبارك وتعالى لا يستطيع أحد أن يشفع من غير إذن الله والشافع إذا أذن الله له في الشفاعة لن تكون له حرية الاختيار يشفع في من وإنما ﴿ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى ﴾ [الأنبياء: 28]. ولذلك ذكر النبي صلى الله عليه وسلم عن الشفاعة (فيحد لي ربي حدا فأخرجهم من النار ثم أعود فأشفع فيشفعني ربي فيحد لي حدا فأخرجهم من النار) فالله سبحانه وتعالى هو الذي يأذن للشافع إظهارا لفضله وشرفه على رءوس الأشهاد يوم القيامة ويحد له ويسمي له من يشفع فيهم إذا من أراد الشفاعة فليطلبها من مالكها وهو الله سبحانه وتعالى والله يقول ﴿ لاَ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْداً ﴾. فمن اتخذ عند الرحمن عهدا أن يشفع الله تبارك وتعالى فيه الشافعين فهذا الذي ستكون له الشفاعة ومن لم يتخذ عند الرحمن عهدا فالله تعالى قال ﴿ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ﴾ [المدثر: 48].

·       وما هو العهد الذي يحق للإنسان الشفاعة يوم القيامة العهد هو لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله خالصا مخلصا بها قلبه فهذا تناله الشفاعة يوم القيامة كما في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال قلت يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة فقال صلى الله عليه وسلم (لقد ظننت يا أبا هريرة ألا يسألك عنها أحدا قبلك لما رأيت من حرصك على الحديث أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إلا الله مخلصا بها قلبه) إذن الشفاعة يوم القيامة تكون لأهل التوحيد لأهل لا إله إلا الله الذين عاشوا عليها وماتوا عليها أما الذين ماتوا مشركين وماتوا كافرين فهم الذين قال الله تعالى فيهم ﴿ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ﴾. ﴿ يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً ﴾ [طه: 109]. والله لا يرضى إلا عن قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له فمن قال لا إله إلا الله مخلصا به قلبه نالته شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة

·       ومن الوسائل التي تنال بها شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم أن تصلي عليه عقب الأذان وأن تسأل الله له الوسيلة كما في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال (إذا سمعتم المؤذن يؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإن من صلى علي مرة صلى الله عليه بها عشرة ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له الشفاعة) ﴿ لاَ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ ﴾ أي هؤلاء الذين عبدهم المشركون من دون الله ﴿ لاَ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْداً ﴾. فالله عز وجل أو على الله عز وجل فضلا وتكرم له أن يشفع فيه من شاء من الشافعين من النبيين والمؤمنين والملائكة وغيرهم كما هو مذكور في كتب السنة في موضع الشفاعة.

ثامنًا: تنزيه الله تعالى عن الولد.

·       ثم قال تعالى : منكرا على المشركين الذين نسبوا لله الولد تعالى وتقدس عن اتخاذ الولد ﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِداًّ (89) ﴾. الإد عند العرب معناه الداهية العظيمة الداهية العظيمة الأمر العظيم الثقيل جدا ، من ثقله وعظمته ﴿ تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الجِبَالُ هَداًّ ﴾ مع قوتها وشدتها ومكانتها ﴿ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الجِبَالُ هَداًّ ﴾ بسبب قولهم ﴿ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً ﴾ ﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِداًّ (89) تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الجِبَالُ هَداًّ (90) أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً (91) وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً (92) ﴾. ﴿ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ ﴾ [الأنعام: 101]. الله سبحانه وتعالى لم يتخذ صاحبة أي لم يتخذ زوجة لأن اتخاذ الزوجة عنوان الضعف وعنوان العجز ، ﴿ وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً ﴾ لأنه لم تكن له صاحبة ثم إن الولد جزء أبيه والله سبحانه وتعالى ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴾ [الشورى: 11] ثم إن كل من في السماوات والأرض عبيد لله تبارك وتعالى ﴿ إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً ﴾. فما داموا عبيده يستحيل أن يكون منهم ولد لأنه لو كان ولدا لم يكن عبدا فلما كان عبدا انتفى أن يكون ولدا 0

·       ﴿ إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَداًّ (94)﴾. أحصا الله تبارك وتعالى من في السماوات ومن في الأرض وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا كل إنسان سيعرض على الله تبارك وتعالى وحده يوم القيامة كما قال ﴿ وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَرْداً ﴾. وقال النبي صلى الله عليه وسلم (ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم وينظر أشئم منه فلا يرى إلا ما قدم وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه فاتقوا النار ولو بشق تمرة)

تاسعًا: إذا أحب الله عبدًا حببه إلى عباده.

·       ثم قال تعالى : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُداًّ ﴾. إن الذين آمنوا بقلوبهم وعملوا الصالحات بجوارحهم فالإيمان التام يستلزم العمل الصالح كل ما ازداد الإيمان ازداد المؤمن طاعة لله عز وجل وكلما نقص الإيمان كثرت المعاصي وقلت الطاعات يقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر يشربها حين يشربها وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن)

·        ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾. أي الإيمان التام المستلزم بصالح العمل بجوارحه ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾. من عاجل ثوابهم في الدنيا من عاجل ثواب الإيمان والعمل الصالح في الدنيا أن الله تبارك وتعالى سيجعل لهم الرحمن ودا أي محبة في قلوب العباد لأنهم تقربوا إلى الله سبحانه وتعالى بطاعته وهذا التقرب يوجب له محبة الله عز وجل كما في الحديث القدسي أن الله تعالى قال (ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي إلا ما افترضت إليه ولا زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولأن استعاذني لأعيذنه) ، فإذا أحب الله تبارك وتعالى هذا المؤمن الصالح الذي يتحبب إلى الله ويتقرب إليه إذا أحبه الله حببه الله تعالى إلى عباده كما في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (إذا أحب الله عبدا نادى جبريل يا جبريل إني أحب فلانا فأحبه فيحبه جبريل ثم ينادي جبريل في أهل السماء يا أهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض) اللهم إنا نسألك حبك وحب من يحبك وحب كل شيء يقربنا إلى حبك اللهم أحبنا وحبب إلينا عبادك وحبب صالحي عبادك إلينا.

·       ثم تختم السورة بقوله تعالى : للنبي صلى الله عليه وسلم ﴿ فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ ﴾. فإنما يسرنا القرآن يا نبينا كما قال ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ [القمر: 22]. قال ابن عباس رضي الله عنهما لولا أن الله يسره ما استطاعت الألسن أن تنطق بحرف منه لأن هذا كلام الله القرآن كلام الله لولا أن الله يسره فجرت به ألسنتنا ما استطاعت الألسن أن تنطق بحرف واحد من كلام الله ولكن الله أنعم علينا به وأنعم علينا بتيسيره ﴿ فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ . لماذا ﴿ لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِينَ ﴾. تبشرهم بما أعد الله لهم في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وحين تدقق النظر وتتأمل ﴿ لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِينَ ﴾. وتنظر في سابق الآيات فترى الله تعالى يقول ﴿ تِلْكَ الجَنَّةُ الَتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِياًّ ﴾ [ مريم: 63]. ثم تراه يقول ﴿وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ﴾ . ثم ننجي من ﴿ ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾. ثم في آخر السورة يقول ﴿ فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِينَ ﴾. فتعلم إنما مدار السعادة في الدنيا والآخرة على تقوى الله سبحانه وتعالى فتجتهد في التقوى

·       وجماع التقوى الجماع بالواجبات وترك المحرمات القيام بالواجبات وترك المحرمات ثم قد تزيد التقوى في القلب حتى يفعل الإنسان مع الواجبات المستحبات ويترك مع المحرمات المكروهات وهذه أعلى درجات التقوى أعلى درجات التقوى أن يفعل المرء المستحبات مع الواجبات وأن يترك المكروهات مع المحبوبات

·       ﴿ فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْماً لُّداًّ ﴾ . وقد قلنا الإنذار هو الإعلام بالتخويف ﴿ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْماً لُّداًّ ﴾ . يجادلونك بالباطل ليدحضوا به الحق والله سبحانه وتعالى من وراءهم محيط ﴿ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ ﴾

وأخيرًا وجوب الاعتبار بوحدة مصير المكذبين.

·       ومرة ثانية يلفت أنظار الكافرين المعاصرين إلى وجوب الاعتبار بوحدة مصير المكذبين من قبلهم ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ ﴾. وقد قلنا أن هذا السؤال للتفكير ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ القُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ﴾ [الإسراء: 17]. ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً ﴾. فوجب على الكافرين المعاصرين الذين يكذبونك يا رسولنا أن يحذروا أن يصيبهم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح ،إن ربك لبالمرصاد لكل ظالم ولكل طاغية ولكل كافر معاند إن ربك لبا لمرصاد فعتبروا يا أولي الأبصار

·       وبهذا نصل إلى ختام تفسير سورة مريم سائلين الله سبحانه وتعالى أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا ونور صدورنا وجلاء أحزاننا وذهاب غمومنا وهمومنا اللهم ذكرنا منه ما نسينا وعلمنا منه ما جهلنا وشفعه فينا واجعله حجة لنا لا علينا وارزقنا تلاوته آلاء الليل وآلاء النهار لعلك ترضى عنا هذا والحمد لله رب العالمين وصلى الله وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

ربنا اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات و ارحمنا أجمعين


زيارات تعليقات
تقييمات : [5]
1109 0
عرض الردود
شاركنا رأيك

أدخل ناتج جمع العددين 4 و 1

الحقوق محفوظة لصالح شركة نيربا للإنتاج الجرافيكي ©