احصائيات عامة
المقالات 1,143 الصور 25 الفنانين 37 الأغاني 323 المرئيات 413 البرامج 4 المواقع 0 المجموع 1,945
|
|
|
|
النسخة الكاملة - - الأحد 1 / 05 / 2011 - 06:43 مساءً |
|
يقول الياباني تاكيو أوساهيرا :
ابتعثتني حكومتي للدراسة في جامعة هامبورغ بألمانيا ليدرس أصول الميكانيكا العلمية ، ذهبت إلى هناك و أنا أحمل حلمي الخاص
الذي لا ينفك عني أبداً ، و الذي خالج روحي و عقلي و سمعي و بصري و حسي ، كنت أحلم بأن أتعلم كيف أصنع محركًا صغيراً .
كنت أعرف أن لكل صناعة وحدة أساسية أو ما يسمى موديلاً ، و هو أساس الصناعة كلها ، فإذا عرفت كيف تصنعه ، فإنك وضعت يدك
على سر هذه الصناعة كلها .
و بدلًا من أن يأخذني الأساتذة إلى المعمل أو مركز تدريب عملي ، أخذوا يعطونني كتباً لأقرأها ، و قرأت حتى عرفت نظريات
الميكانيكا كلها ، و لكنني ظللت أمام المحرك أيًّا كانت قوته و كأنني أقف أمام لغز لا يُحل ، كأني طفل أمام لعبة جميلة لكنها شديدة
التعقيد ، لا أجرؤ على العبث بها .
كم تمنيت أنا أداعب هذا المحرك بيديّ ، كم أشتاق إلى لمسه و تعرف مفرداته و أجزاءه ، كم تمني لمّه و ضمّه و قربه و شمّه ،
كم تمنيت أن أُعطّر يدي بزيته ، و أصبغ ثيابي بمخاليطه ، كم تمنيت وصاله و محاورته و التقرب إليه ، لكنها ظلت أمنيات .. أمنيات
حيّه تلازمني و تراودني أياماً و أياماً .
و في ذات يوم قرأت عن معرض محركات إيطالية الصنع ، كان ذلك أول الشهر ، و كان معي راتبي ، وجدت في المعرض محركًا
بقوة حصانين ، ثمنه يعادل مرتبي كله ، فأخرجت الراتب و دفعته للبائع ، و حملت المحرك و كان ثقيلاً جداً ، و ذهبت إلى حجرتي
و وضعته على المنضدة ، و جعلت أنظر إليه كأنني أنظر إلى تاج من الجواهر
و قلت لنفسي : هذا هو سر قوة أوروبا !! لو استطعت أن أصنع محركاً كهذا لغيرت اتجاه تاريخ اليابان .
و طاف بذهني خاطر .. إنّ هذا المحرك يتألف من قطع ذات أشكال و طبائع شتى ، مغناطيس كحدوة الحصان ، و أذرع دافعة
و عجلات و تروس و ما إلى ذلك ، لو أنني استطعت أن أفكك قطع هذا المحرك و أعيد تركيبها بالطريقة نفسها التي ركّبوها بها
ثم شغلته فاشتغل .. أكون قد خطوت خطوة نحو سر موديل الصناعة الاوروبية .
بحثت في رفوف الكتب التي عندي ، حتى عثرت على الرسوم الخاصة بالمحركات ، و أخذت ورقاً كثيراً ، و أتيت بصندوق أدوات
العمل ، و مضيت أعمل .. رسمت منظر المحرك بعد أن رفعت الغطاء الذي يحمي أجزاءه ، ثم جعلت أفكك أجزاءه قطعه قطعه ،
و كلما فككت قطعه رسمتها على الورق بغاية الدقه ، أعطيتها رقماً ، و شيئاً فشيئاً حتى فككته كله ، ثم أعدت تركيبه من جديد .
و في هذه اللحظة وقفت صامتاً قليلاً .. إنه وقوف و صمت المتشكك ..
هل سأنجح في تشغيله ؟ ، بسرعة قطعت شكي و أدرت المحرك .. فأشتغل ،
و ما أن غرّد صوت المحرك حتى كاد قلبي يقف من الفرح ..
استغرقت العملية ثلاثة أيام ، كنت آكل في اليوم وجبة واحدة ، ولا أصيب من النوم إلا ما يُمكنني من مواصلة العمل .
و حملت النبأ إلى رئيس بعثتنا ، فقال : حسناً فعلت ، الآن لابد أن أختبرك ، سآتيك بمحرك متعطل ، و عليك أن تفككه و تكتشف
موضع الخطأ و تصححه ، و تجعل هذا المحرك العاطل يعمل .
كلفتني هذه العملية عشرة أيام ، عرفت في أثنائها مواضع الخلل ، فقد كانت ثلاث من قطع المحرك بالية متآكلة ، صنعت غيرها
بيدي ، صنعتها بالمطرقة و المبرد ، لقد كانت هذه اللحظات من أسعد لحظات حياتي ، فأنا مع المحرك جنبًا على جنب ،
و وجهاً إلى وجه ، لقد كنت سعيداً جداً رغم المجهود الكبير الذي بذلته في إصلاح هذا المحرك ..
قربي من هذا المحرك أنساني الجوع و العطش ، لا آكل في اليوم إلا وجبة واحدة ، ولا أصيب من النوم إلا القليل .
ثم تأتي اللحظات الحاسمة لاختبار أدائي في أصلاح هذا المحرك بعدما جمعت أجزاده من جديد ، و بعد قضاء عشرة أيام من العمل
الشاق ، أخذت يدي تقترب لإدارة المحرك .. و كم كنت أحمل من القلق و الهم في تلك اللحظات العصيبة ، هل سيعمل هذا
المحرك ؟ هل سأنجح بعدما أدخلت فيه بعض القطع التي صنعتها ؟! و كم كانت سعادتي و اعتزازي بعدما سمعت صوت المحرك
و هو يعمل .. لقد أصلحته .. لقد نجحت .
بعد ذلك قال رئيس البعثة : عليك الآن أن تقطنع قطع المحرك بنفسك ، ثم تركبها محركاً .
و لكي أستطيع أن أفعل ذلك التحقت بمصانع صهر الحديد و صهر النحاس و الآلمونيوم ، بدلاً من أن أعد رسالة الدكتوراه
كما أراد أساتذتي الألمان ، تحولت إلى عامل ألبس بدلة زرقاء ، و أقف صاغراً إلى جانب عامل صهر معادن ، كنت أطيع أوامره
كأنه سيد عظيم ، كنت أخدمه حتى في وقت أكله ، مع أنني من أسرة ساموراي .. و الأسرة السامورائيه هي من أشرف
و أعرق الأسر في اليابان ، لكنني كنت أخدم اليابان ، في سبيل اليابان يهون كل شيء .
قضيت ي هذه الدراسة و التدريبات ثماني سنوات ، كنت أعمل خلالها بين 10 و 15 ساعة في اليوم ، بعد انتهاء يوم العمل
كنت أخذ نوبة حراسة ، و خلال الليل كنت أراجع قواعد كل صناعة على الطبيعه .
عَلِِمَ الميكادو ( امبراطور اليابان ) بأمري ، فأرسل لي من ماله الخاص خمسة آلاف جنيه إنجليزي ذهباً ، اشتريت بها عدةً
و أدوات و آلات لمصنع محركات متكامل ، و عندما أردت شحنها إلى اليابان ، كانت النقود قد نفدت ، فوضعت راتبي و كل ما
ادخرته خلال تلك السنوات الماضيه لاستكمال إجراءات الشحن .
عندما وصلنا إلى ناجازاكي قيل لي : أنَّ الميكادو يريد أن يراني ، قلت : لن أستحق مقابلته إلا بعد أن أُنشى مصنع محركات
كامل .. استغرق ذلك 9 سنوات .. تسع سنوات من العمل الشاق و الجهد المتواصل .
و في يوم من الأيام ، حملت مع مساعدي 10 محركات صُنعت في اليابان قطعة قطعة ، حملناها إلى القصر ، و وضعناها في قاعة
خاصه بنوها لنا قريبًا منه ، ثم أدرنا جميع المحركات العشره ، و دخل الميكادو و انحنينا نحييه ، فابتسم و قال : هذه أعذب
موسيقى سمعتها في حياتي ، صوت محركات يابانيه خالصة .. هكذا ملكنا الموديل و هو سر قوة الغرب ، نقلناه إلى اليابان ،
نقلنا قوة أوربا إلى اليابان ، و نقلنا اليابان إلى الغرب .
و بعد ذلك الحدث السعيد ، ذهبت إلى البيت فنمت 10 ساعات كامله ..
و هي أول مره أنام فيها 10 ساعات كامله من 15 عاماً .
كيف أصبح تاكيو أوساهيرا عظيما ؟
كانت لتاكيو رؤية واضحة و أهداف محددة عمّا يريد ، و ذلك منذ اللحظة التي اغترب فيها عن بلده إلى ألمانيا ، أكثر من 18 سنه
و هذه الرؤية واضحه لديه لا لبس فيها ولا غموض ، عاشت معه تُلازمه كأنفاسه التي تتردد بين جنبيه ، قلّ لها نومه ، و كثر معها
سهره ، و زهد في أكله و شرابه ، و ترك من أجلها شهادة الدكتوراه .. ترك كلمات التفخيم و الإجلال .
تضحيات و قراءة و عمل مستمر لأكثر من 18 سنه ، إلا أنه مطمئن لقراراته ، مستمتع بما يفعل ، إنه يرى دنو أحلامه .. أحلامه
التي نسجها في خياله بدأت تظهر في واقعه ، إنه يراها .. فأسرع الخطى و هانت من أجلها كل العقبات .. إنّ مضمار سباق الجري
ليشهد بصحة ما أقول ، فبمجرد أن تقع عينيّ اللاعب على خط النهاية إلا و تراه قد نسي تعبه و انطلق سريعًا كالسهم
|
|
|
عرض الردود
|